محمد الريشهري

46

موسوعة معارف الكتاب والسنة

صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِ : خَطَبَ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام فَقالَ : سَلوني ؛ فَإِنّي لا اسأَلُ عَن شَيءٍ دونَ العَرشِ إلّاأجَبتُ فيهِ ، كَلِمَةً لا يَقولُها بَعدي إلّاجاهِلٌ مُدَّعٍ أو كَذّابٌ مُفتَرٍ . فَقامَ رَجُلٌ مِن جانِبِ مَسجِدِهِ في عُنُقِهِ كِتابٌ كَأَنَّهُ مُصحَفٌ - وهُوَ رَجُلٌ آدَمُ ضَربٌ ، طُوالٌ « 1 » ، جَعدُ الشَّعرِ ، كَأَنَّهُ مِن مُهَوَّدَةِ العَرَبِ - وقالَ رافِعاً صَوتَهُ : أيُّهَا المُدَّعي ما لا يَعلَمُ وَالمُقَلِّدُ ما لا يَفهَمُ ! أنَا سائِلٌ فَأَجِب . فَوَثَبَ بِهِ أصحابُ عَلِيٍّ وشِيعَتُهُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ وهَمّوا بِهِ ، فَنَهاهُم عليه السلام وقالَ لَهُم : دَعوهُ ولا تَعجَلوهُ ؛ فَإِنَّ الطَّيشَ لا تَقومُ بِهِ حُجَجُ اللَّهِ ، ولا تَظهَرُ بِهِ بَراهينُ اللَّهِ . ثُمَّ التَفَتَ إلَى الرَّجُلِ وقالَ : سَل بِكُلِّ لِسانِكَ وما في جَوانِحِكَ ، فَإِنّي مُجيبٌ ؛ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا تَعتَلِجُ عَلَيهِ الشُّكوكُ ، ولا يَهيجُهُ وَسَنٌ . فَقالَ الرَّجُلُ : كَم بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ ؟ فَقالَ عليه السلام : مَسافَةُ الهَواءِ . قالَ : وما مَسافَةُ الهَواءِ ؟ فَقالَ : دَوَرانُ الفَلَكِ . قالَ : وما قَدرُ دَوَرانِ الفَلَكِ ؟ فَقالَ : مَسيرَةُ يَومٍ لِلشَّمسِ . قالَ : صَدَقتَ ، فَمَتَى القِيامَةُ ؟ فَقالَ عليه السلام : عِندَ حُضورِ المَنِيَّةِ وبُلوغِ الأَجَلِ . قالَ : صَدَقتَ ، فَكَم عُمرُ الدُّنيا ؟ فَقالَ عليه السلام : يُقالُ : سَبعَةُ آلافٍ ثُمَّ لا تَحديدَ . قالَ : صَدَقتَ ، فَأَينَ بَكَّةُ مِن مَكَّةَ ؟ قالَ عليه السلام : بَكَّةُ مَوضِعُ البَيتِ ، ومَكَّةُ أكنافُ الحَرَمِ . قالَ : فَلِمَ سُمِّيَت مَكَّةُ مَكَّةَ ؟ قالَ عليه السلام : لِأَنَّ اللَّهَ تَعالى مَكَّ الأَرضَ مِن تَحتِها . قالَ : صَدَقتَ ، فَلِمَ سُمِّيَت تِلكَ بَكَّةَ ؟ فَقالَ : لِأَنَّها بَكَّت رِقابَ الجَبّارينَ وعُيونَ المُذنِبينَ . قالَ : صَدَقتَ ، وأَينَ كانَ اللَّهُ قَبلَ أن يَخلُقَ عَرشَهُ ؟ فَقالَ : سُبحانَ مَن لا يُدرِكُ كُنهَ صِفَتِهِ

--> ( 1 ) . الآدَمُ من الناس : الأسمر . والضَّرْب : الرجُل الخفيف اللحم . والطُّوال - بالضمّ - : الطويل ( الصحاح : ج 5 ص 1859 « أدم » وج 1 ص 168 « ضرب » وج 5 ص 1754 « طول » ) .